محمد بن زكريا الرازي

196

الحاوي في الطب

وتكتفي بأن ترى في أبوالهم غمامة بيضاء طافية في أعلى الماء أو متعلقة في الوسط بعد كونها محمودة - أعني أن تكون بيضاء ملساء مستوية . وأبوال الأصحاء الذين تعبهم كثير وطعمهم قليل يكون المرار عليها أغلب ؛ ولذلك لا يذم أبقراط البول الأصفر المشبع الصفرة إلا أن يكون رقيقا ؛ فإنه قد قال : إن البول ما دام أصفر مشبع الصفرة رقيقا فإنه يدل على أن المرض لم ينضج بعد . قال : وذلك أنه ليس يمكن إذا كان البول شديد الرقة ولو تركته زمانا طويلا ، أن يتميز حتى يرسب ما فيه من الشيء إلا غلظ ويطفو ما هو فيه مما هو أرق ، لأن هذا إنما يعرض للبول الذي فيه بعض الغلظ . قال : وليس متى كان البول غليظا باعتدال وكان فيه رسوب يسير فهو صحيح نضيج وذلك أن الرسوب إن كان محببا كالشبيه بخلال السويق أو كان فيه قطع شبيه بالصفائح أو بالنخالة أو كان أخضر أو أسود أو كمدا أو رصاصيا أو منتنا ، فكل هذه مع ما أنها لم تنضج تدل على التلف ؛ وذلك أن الرسوب المحبب الشبيه بخلال السويق يدل إما على ذوبان الأعضاء وانحلالها وإما على حرارة مفرطة محرقة قد قويت على الدم فأحرقته ، وإما على الصفائح فهي أجزاء تنقسم من ظاهر العروق عندما يعرض لها أن تذوب وتتحلل ، وكذلك الشبيه بالنخالة إلا أن هذا أغلظ وأصفر . وأما الشبيه بالصفائح فأعرض من الشبيه بالنخالة وأرق . وأما الرسوب الأسود فإنه يدل إما على حرارة مفرطة نارية وإما على برد مفرط ، وتعرض منه حال شبيهة بالموت ؛ وكذلك الأعضاء الخارجة إنما يعرض لها السواد على هذين الوجهين ؛ وكذلك سواد قوام البول وسواد رسوبه وتعلقه . والغمامة إنما تكون إما من حرارة مفرطة وإما لموت الطبيعة من إفراط البرد ، وكل بول يصير إلى السواد فهو رديء في غاية الرداءة حتى أني لا أعلم أحدا بال بولا أسود فنجا . وأما الرسوب الذي في البول إذا صار إلى السواد فدلالته على التلف أقل ، والغمام المتعلق في وسط البول إذا كان أسود فهو أقل دلالة على التلف من الرسوب الأسود ، والطافي أقل دلالة على الهلاك إذا كان أسود من المتعلق . لي : قد صرح بأن مائية البول إذا كان أسود أشر من جميع أجزائه الأخر ، ويتلوه في الرداءة الرسوب الأسود ثم الغمامة السوداء . قال : وأما اللون الأخضر فإنما يكون من أجل السوداء في طريق حدوثه ، كأنه مقدمة للسوداء ؛ وذلك أن المرض إذا كان خبيثا ظهر فيه بعد ظهور القيء الأخضر والبراز الأخضر والبول الأخضر ، وكل واحد من هذه الثلاثة هو أسود . فأما اللون الكمد الرصاصي فإنما يتولد من البرد فقط . وأما الرائحة المنتنة فإنما تتولد من عفونة . فإن كان البول شبيها بالدهن دل على ذوبان الجسم . وكل هذه الأبوال رديئة .